فوزي آل سيف
315
من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات
لقد وجّه رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم السلام إلى أن يتكلم المتكلم بمقدار ما يكون قابلاً للمعرفة والتعقل، من قِبَلِ المستمعين وإلا كان لهم فتنة وأذى، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ([318]): "لا تحدّثوا أمتي من أحاديثي إلاّ بما تحمله عقولهم". وعنه صلى الله عليه وآله : "أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"([319]). ويُبيّن الأثر السلبي الناتج عن الحديث بما هو (مستصعب الفهم) فيقول: "ما أنت محدّث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة"([320]). وفي الحديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : "أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! حدثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عما ينكرون"([321]). ومع أن الحديث في التوحيد مهم باعتبار أنه قاعدة الإيمان الأساسية إلا أن النبي صلى الله عليه وآله ينهى عن الحديث في هذا الجانب بما يشق على الناس فهمه: "إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم". ويرى الإمام الصادق عليه السلام - وهو الذي أظهر علوم آل البيت عليهم السلام ونشرها بين الناس- أن مذيع الحديث عند من لا يحتمله ولا يتعقله يساوي الشاتم أعراضهم والمحارب لهم؛ فقد قال أبو عبد الله عليه السلام : "أقرئ موالينا السلام، وأعلمهم أن يجعلوا حديثنا في حصون حصينة، وصدور فقيهة، وأحلام رزينة، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما الشاتم لنا عرضاً والناصب لنا حرباً، بأشد مؤنة من المذيع علينا حديثنا عند من لا يحتمله"([322]). وهذا الكلام المتقدّم ليس دعوة للتسطيح، وتحويل المنبر إلى (سوالف) وقوالب مكررة ومعادة. وإنما - كما ذكر الإمام عليه السلام - أن يجعل الحديث في حصون حصينة، وصدور فقيهة وأحلام رزينة.. وفي ذلك توجيه مهم مؤداه أن يُجعل الحديث المناسب في موضعه. وإن من المطلوب تعميق الخطاب المنبري وتطويره موضوعاً، وقد سبق الحديث عن هذا الجانب في القسم الثاني من هذا الكتاب، خصوصاً مع ارتقاء مستوى المستمعين، واعتماد الكثير منهم على المنبر بوصفه قناة أساسية يتلقون منها ثقافتهم الدينية في مختلف مجالاتها.. هذا شيء، وأن ينزع الإنسان إلى الغرائب من الملاحظات والشواذ من الأفكار، والغامض من الآراء.. شيءٌ آخر. ونحن نحمد الله أنّ ما سبق لا يشكل سوى حالات قليلة، لا يقاس عليها، ولم يتحول إلى ظاهرة.
--> 318 ) الأحاديث من ميزان الحكمة، ج1. 319 ) الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، ج1، ص23. 320 ) الأشتري، ورام بن أبي فراس: تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بـ(مجموعة وارم)، ج2، ص227. 321 ) النوري، الميرزا حسين: مستدرك الوسائل، ج12، ص302. 322 ) المصدر السابق ، ص303.